الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
467
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
على كل الأحوال ، وقدر قدرا وقد أن لا ينفذ ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك ، فلأجل ما ركب في موسى - عليه السّلام - من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره اللّه تعالى وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه ، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من اللّه تعالى ، لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم ، ليخلع عليه خلع القرب والفضل الجسيم ، فطمع الكليم لعل أن يلحق لأمته من هذا الخير العظيم نصيبا . وقد قال نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن للّه نفحات فتعرضوا لنفحات اللّه » « 1 » . وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى ، فكان أمرا قد قدر ، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر ، وما كان قضاء نافذا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب ، حتم قد لزم . وفي بكائه - عليه السّلام - وجه آخر ، وهو البشارة لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - وإدخال السرور عليه ، وذلك قول موسى - عليه السّلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعا - : إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - أكثر مما يدخلها من أمتي . وأما قول موسى - عليه السّلام - : ( لأن غلاما ) ولم يقل غير ذلك من الصيغ ، فإشارة إلى صغر سنة بالنسبة إليه . وفي القاموس : الغلام : الطار الشارب ، والكهل ضده . وقال الخطابي : العرب تسمى الرجل المستجمع السن غلاما ، ما دامت فيه بقية من القوة . قال في فتح الباري : ويظهر لي أن موسى - عليه السّلام - أشار إلى ما أنعم اللّه به على نبينا من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في أول سن الشيخوخة ، ولم يدخل على بدنه هرم ، ولا اعتراه في قوته نقص ، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفا أبا بكر ، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبى بكر اسم الشيخ ، مع كونه في العمر أسن من أبى بكر واللّه أعلم ، وقد ذكر ذلك في الهجرة من المقصد الأول .
--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 10 / 231 ) عن أنس وقال : رواه الطبراني وإسناد رجاله رجال الصحيح ، غير عيسى بن موسى بن إياس بن البكير ، وهو ثقة .